جامعة النجاح الوطنية

مشاركة

انطباعات أولية من تجربتي في اليابان

26 فبراير 2017

كطالبة جامعيّة، طالما تفكرت وتأملت ملامح المنظومة التعليمية في ما يسمى ( كوكب اليابان) محاولةً مني للبحث عن سرّ ‏ازدهار وتألق البلد هنا والشعب وارتفاع جودة الحياة في كافة نواحيها، لكن منذ أصبحت أمّاً، صار هذا الجانب يستدعي التأمل ‏لديّ أكثر، جانب الاستثمار في أغلى كنز على هذه الخليقة الا وهو الإنسان.


بقلم: جمانة خليل

آمنت مؤخراً أنه (على الأغلب ربّما) كلما اهتمت ‏الدولة ومنظوماتها بهذا الكائن الصغير ذي الأصابع الألماسية كلما ارتفع فكرها وعز شأنها.‏

أولاً، لا بد أن نتذكر أن اليابان فيها واحد من أقل معدلات الإنجاب في العالم على الإطلاق، وارتفاع مخيف في معدلات ‏الشيخوخة وأنك إن سرت في شارع في مدينة يابانية عصراً فقد ترى عشرة أشخاص يتجاوز متوسط أعمارهم خمسين عاماً ‏مقابل طفل واحد أو طفلين. ومع ذلك ترى الدولة تحسب لهذه القلة الثمينة كل ما قد يخطر او لا يخطر على بال. سأذكر أمثلة ‏قليلة من يومياتي كأم لطفلة ولدت في اليابان وهي تبلغ الثمانية أشهر.‏

‏من الناحية النفسية، كل حامل تزورها ممرضة خاصة مرسلة من الجهات الحكومية في بيتها لتتأكد من تمام صحتها النفسية ‏والعاطفية، ومن حبها لزوجها وحب زوجها لها وتتأكد أن البيت مناسب كمكان للمعيشة لطفل مستقبلي قادم وأنه سيحظى بمساحة ‏خاصة كافية لنموه وتطوره وراحته وأن الأم - إن كانت أجنبية - قادرة على قراءة الرسائل اللي ترسل لها باستمرار من جهات ‏طبية حكومية مختلفة فإن لم تكن قادرة على قراءة اللغة اليابانية بطلاقة كافية (كحالتي) تخصص الحكومة لها مترجمة خاصة ‏ترافقها متى احتاجت. ‏

أما بعد الولادة فكل طفل منذ اليوم الأول لولادته يعامل كإنسان مكتمل النمو العاطفي والنفسي والعقلي والذهني ويحسب لمشاعره ‏كل حساب، فمثلا عندما نقلنا طفلتنا من حضانة أ الى حضانة ب عندما كان عمرها خمسة أشهر لم يسمحوا لها أن تنتقل في يوم ‏واحد لأن ذلك سيعرضها لصدمة عاطفية وحزن وخوف من الوجوه الجديدة التي ستحيط بها فجأة لنصف يوم! فتمت عملية النقل ‏على مدار أسبوع، تقضي فيها ابنتي ساعة واحدة في اليوم الأول في الحضانة الجديدة ثم ساعتين في اليوم الثاني والثالث ثم ثلاث ‏ساعات في اليوم الرابع وهكذا إلى أن تستطيع أن تستوعب التوتر العاطفي والنفسي الناتج عن تغير البيئة المفاجئ، هذه العملية ‏تسمى في اليابانية ( ناراشي هويكوإن) وهي قانون حكومي يطبق على جميع الأطفال من عمر الصفر عند دخولهم لبيئة جديدة. ‏أيضا، في حضانتها الجديدة تخصص معلماتها لي ساعة كل فترة لأعبر فيها عن أي مخاوف أو توترات تواجهني في حياتي كأم ‏او أي توترات أحس بها حتى نضع خطة ونواجهها سوياً. ‏

‏من الناحية الطبية، كل طفل مولود في اليابان يحظى بتأمين طبي كامل شامل يغطي كل احتياجاته الطبية في أي مكان في ‏اليابان سواء مستشفى خاص او حكومي أو عيادة وهناك فحص طبي شامل يطبق دوريّاً كل أربعة أشهر من عمر الطفل وبشكل ‏مجاني، الولادة مجانية ولا يسمح للأم بمغادرة المستشفى بعد الولادة إلا بعد ستة أيام على الأقل حتى يتم التأكد أنها قادرة نفسيا ‏وعاطفيا وجسديا على القيام بهذه المسؤولية الضخمة. وإن كان هناك شك في قدرتها، ترسل الحكومة ممرضة خاصة للبيت ‏تزورها لبضع ساعات كل يومين تقريبا كي تتحسن وهذا أيضا مجاني.‏

‏من الناحية المادية، يعطى لكل طفل مولود في اليابان راتب شهري بسيط بحيث يكون كافياً لتغطية احتياجاته البسيطة من ‏حليب وطعام وحفاظات. ‏

‏من الناحية الترفيهية والعملية، لا يمكن أن تعطى الرخصة لأي مجمع تجاري (مول) يحتوي على محلات أطفال إلا إن تم ‏تخصيص صالة صغيرة منه لاحتياجات الأطفال الخاصة كتغيير الحفاظات والرضاعة وغيرها، تقسم الصالة إلى مكان لتغيير ‏الملابس ومكان مقسم إلى غرف صغيرة للرضاعة الطبيعية، وغرفة فيها كراسي طعام للأطفال بحيث يستطيع الطفل تناول ‏وجبته في جو هادئ يناسب تركيزه، هذا للأطفال فوق سن ستة أشهر عندما يبدأون بتناول الطعام، بالإضافة لمساحة لراحة ‏الأمهات بحيث تحتوي على مايكرويف وبعض الأجهزة الكهربائية البسيطة لتناول وجبة صغيرة للأمهات المرضعات عندما ‏يشعرن بالجوع والعطش بعد الرضاعة مباشرة. هذه الصالة ليست حكراً على الأمهات، الآباء جزء لا يتجزأ من الصورة، يغيرون ‏ملابس الطفل بينما تستعد الأم لأخذ الطفل بعدها للرضاعة وهكذا.‏

نحن أكثر الشعوب تغنّياً بالأسرة وبالإنجاب والأطفال والأمومة والأبوة ودائما نكرر ونفخر بكوننا "شعوباً فتيّة" ، لكن كأي ‏جانب آخر من حياتنا، نحن نتكلم وغيرُنا يعمل.. نحنُ نحبّ ونتغزل ونتغنى وغيرنا يقدّم.‏

 

 رابط الخبر