جامعة النجاح الوطنية

مشاركة

قلبي على ولدي

منذ أن خلق الله سيدنا آدم عليه السلام وسيدة الدنيا حواء والخلق يتوالدون على وجه هذه البسيطة، وهذه هي "سنة الحياة" كما أرادها الله سبحانه وتعالى، ومنذ ذلك الحين والأجيال تتبعها أجيال. فكما تعلمون حين يقترب الشاب من سن الزواج يبدأ المحيطون به بحثه لإكمال نصف دينه بالزواج وبعد أن يتم الأمر يبدأ المحيطون مرة أخرى يلحون عليه بضرورة الإنجاب، وإن جاء بالولد فلا بد أن ينجب له أختا كما يقال والعكس كذلك، وهكذا حتى يجد الأب نفسه أمام نفقات عائلة كبيرة، وحتى هذه اللحظة يبدو الأمر طبيعيا، لانه من الواجب أن نتكاثر مصداقا لقول رسولنا لكريم "تناكحوا تكاثروا فإني مباه بكم الأمم يوم القيامة". ومنذ لحظة حمل ألام بوليدها تبدأ الفرحة بظاهرها وباطنها، ومن لحظة أن ترى عيون المولود العالم الجديد، يبدأ انشغال الوالدين بتربيته والسهر على راحته وتحسس صحته ليل نهار، ويكبر الوليد ليبدأ بنطق كلماته الأولى ويفرح الوالدان بذلك ثم يبدأ هذا المولود مراحل حياته ويهتم الوالدان بإدخاله في دور الحضانة والروضة والمدارس، ويتابع الوالدان بفارغ الصبر وليدهم حتى يكبر ويدخل المراحل العليا من الدراسة، وأثناء هذه السنوات يظهر الوليد طاعة لوالديه وتكون فرحة الوالدين به كبيرة، وما أن ينخرط مع زملائه حتى يتعلم عبارات جديدة لم يتعلمها في المدرسة الأسرية ويأتي بكلمات جديدة من التمرد ومخالفة أوامر الوالدين، وفي المرحلة الدراسية الأخيرة، يبدأ عناء الوالدين بالسهر عليه ومتابعة دراسته وتوجيهه ونصحه بضرورة الاجتهاد والاهتمام بالعلم في هذا العام الذي سيحدد مصيره، وينجح في الثانوية العامة وتقام له الأفراح والتبريكات ليسجل بعدها في إحدى الجامعات ليصبح شابا بالغا مفتول العضلات يمكنه الاعتماد على نفسه، وأثناء ذلك يتعلم من الدروس ما يتعلم. البعض منهم يحافظ على سمعة والديه ويكن لهما احتراما لكل جهد بذلوه في السنين الماضية وهذا النوع له مني كل الاحترام والتقدير، أما النوع الآخر تجده يبدأ بالعصيان ومخالفة تقاليد أسرته ويتنكر لكل ما تعلمه من أسرته، فتجد المراوغة والكذب اصبح من صفاته، ليكذب على والديه، ويخفي عنهم دراسته وعلمه، ليفاجأ الوالدان بان الحلم قد اصبح وهما وان التربية الطويلة والمعاناة وسهر الليالي قد ذهب أدراج الرياح، فكم من قصة بمواضيع مختلفة تجعل الأب يطأطىء الرأس خجلا من أفعال أبنائه، فهل يستحق الأباء كل هذا؟

قال لي أحد الأباء: حين كان ولدي صغيرا كنت أقول سأحتمل كل شيء من اجله وسأعمل ليل نهار حتى أوفر له قسط دراسته ومصروف جيبه، وكما ترى بعد أن كبر واصبح شاربه يغطي شفتيه، تمرد علي وعلى أمه، وليس هذا فحسب بل ويشتمني ويشتم أمه أحيانا، ومع هذا تصلني أخبار فشله في دراسته، أهذا ما استحقه منه؟ يقولون يجني الفرد ما زرع ولكنني لم ازرع هذا، ولم اقصر يوما في أن اقدم له كل ما يريد، وكثيرا ما كان يكون ذلك على حساب إخوانه الصغار، وإضافة إلى ذلك تراه يعود متأخرا إلى البيت ويشكو الكثيرون من تصرفاته، فما الذي فعلته لأعاقب بهذا؟ قلت له والحيرة في مقلتي، والكلمات تتلاطم في شفتي، لا يا سيدي أنت لم تفعل شيئا يستحق منك كل هذا العناء، فأنت من حمل الأمانة، أمانة التربية الصالحة، وطاعتك واجبة، ولزوجتك ولكل الأمهات وقفة إجلال وإكبار، ولمن يعق والديه أقول، اتق الله في والديك، وعد إلى رشدك، فالغصن لا يستطيع العيش إن كان مقطوع الجذور، هذه الجذور التي تمدك وتمد كل فروع العائلة بالبركة وبكل الصفات الحميدة، عجبا أيها الشاب الوسيم مما اسمع، والذي نفسي بيده كلما أحاول أن أجد لك مبررا لهذه التصرفات لا أجد ما يقنع من إجابة. وما كاد يشل أطرافي ولساني حين حدثتني إحدى النساء الفاضلات قائلة: ولدتها متأخرة وكان عمري قد تجاوز الأربعين، والله وحدة يعلم بالمعاناة التي مررت بها حتى أصبحت شابة يانعة وبذلت كل ما املك لتعليمها، وتأتيني اليوم قائلة: أنا لا أستطيع أن أتفاهم معك، أنت من جيل الماضي، الفرق شاسع بيني وبينك في التفكير، أنا حرة في أقوالي وتصرفاتي. والغريب كما روت لي هذه السيدة الجليلة، بان هذه الشابة لا تخاطب أمها لأيام طويلة بل وأحيانا لأسابيع وهي موجودة معها في نفس البيت، وإذا حدثت المعجزة وتخاطب الطرفان تجد الفتاة تتحدث مع أمها بعصبية ونفور، قالت لي ألام: قالوا لي غدا تكبر وتدرك، وأنا أقول ليتني ما رأيتها كبرت، ليتها بقيت صغيرة على أن أعامل منها كل هذه المعاملة القاسية. عذرا أيها القارئ الكريم، لا أجد ما أقوله في مثل هذه الحالة إلا أن أدعو لهذه الشابة ولمثيلاتها بالهداية وأذكرهن بقول الله سبحانه وتعالى، عله يصل مسامعها ومسامع غيرها ممن ضل الطريق ونسي فضل والديه عليه: " وقضى ربك ألا تعبدوا إلا إياه وبالوادين إحسانا، إما يبلغن عندك الكبر أحدهما أو كلاهما فلا تقل لهما أف ولا تنهرهما وقل لهما قولا كريما واخفض لهما جناح الذل من الرحمة وقل رب ارحمهما كما ربياني صغيرا". وفي الختام أقول سمعت بعضهم يقول: قلبي على ولدي وقلب ولدي عالحجر" ، فيا أيها الابن العاق لوالديك، أيتها الابنة المقاطعة لامك، ألا تعلمون بأنه حتى الحجر يتشقق وان الجبال تشققت من حمل الأمانة، فكونوا مطيعين لوالديكم، وعودوا لرشدكم، لان خسارة الأب وألام لا تعوض، ودعاءهم لا يرد، فاتقوا دعوة المظلوم، وكيف إذا كان الظالم الابن والمظلوم هما الوالدان؟؟؟